إذا كان يساورك القلق بشأن ما إذا كانت فترة نومك أقل أو أكثر مما ينبغي، فعليك أن تطمئن، فقد توصل العلماء إلى تحديد دقيق لساعات النوم التي يحتاجها الفرد. ففي دراسة حديثة نُشرت في مجلة «نيتشر» الأسبوعية البريطانية الشهيرة، أفاد فريق دولي من الخبراء بأن «الفترة المثالية» للنوم لدى البالغين تتراوح بين 6 ساعات و24 دقيقة و7 ساعات و48 دقيقة.
ويرتبط النوم لفترات أقل أو أكثر من تلك الفترة المثالية بتسارع شيخوخة الدماغ والقلب والكبد وغيرها من الأعضاء الحيوية، إضافة إلى ارتفاع مُعدّلات الإصابة بمشكلات صحية مثل أمراض القلب والاكتئاب، وانخفاض متوسط العمر. ولا تحتاج إلى امتلاك شهادة طبية لتعرف أن قلّة النوم تضر بالصحة، فقد أظهرت دراسات عديدة سابقة ذلك. ورغم وجود تباين كبير بين الأفراد، إلا أن البالغين يعيشون عادة لفترة أطول ويعانون من أمراض خطيرة أقل إذا ناموا نحو سبع ساعات في معظم الليالي.
وقد تمّ دحض الخرافة الشائعة بأن ثماني ساعات هي المدة المُثلى للنوم. غير أن الدراسة الجديدة مثيرة للإعجاب، فقد نظر الباحثون في بيانات مئات آلاف الأفراد الذين وصفوا عادات نومهم. وإضافة إلى فحص السجّلات الطبية للمشاركين، استخدم الباحثون أساليب متطوّرة لتحليل عينات الأنسجة من أعضائهم لتقييم كيفية تقدُّمهم في العمر. ووجدوا أن قلّة النوم أو كثرته يرتبطان بضرر في جميع أنحاء الجسم، بدءاً من الدماغ، وصولاً إلى القلب والجهاز الهضمي. ويُفترض أن تلَف الأنسجة في جميع أنحاء الجسم هو العامل وراء تَسبُّبِ قلةِ النوم أو كثرته في تسريع الشيخوخة والوفاة في سنٍّ مبكرة.
إلا أن إحدى المشكلات الرئيسية في الدراسة أنها حلّلت الارتباطات فقط، ولم تبرز السبب والنتيجة. وبما أن الأشخاص الذين لا يشعرون بحالة جيدة غالباً ما ينامون أكثر، أي أن النوم لأكثر من 8 ساعات قد تم تصنيفه بشكل خاطئ على أنه ضار، إذ أنه قد لا يكون هو سبب التدهور الصحي، بل نتيجة له. ومن العيوب لهذه الدراسة استخدامُها بياناتٍ ذاتيةَ التقييم من المشاركين، وهي طريقة معروفة بعدم دقتها، فلا يمكن لأحد أن يجزم بدقة فترة نومه أثناء الليل، كما أن اقتصار الباحثين على أشخاص من أصول أوروبية في الغالب يُعد عيباً آخر. ومع ذلك، تُضيف الدراسة أدلةً قيمةً على الفوائد الصحية للنوم الكافي دون إفراط.لكن يُمكن للجمهور الاستفادة من هذه النتائج إذا أدركوا كيف يُسرِّع نقصُ النوم الشيخوخةَ، بما يُحفّزهم على النوم مبكراً.
وقد تُساعد تلك النتائج الأشخاص الذين يُفرطون في النوم، وهم نسبة ضئيلة نسبياً، على تعديل عاداتهم للاستيقاظ باكراً. لكن المُثير لقلق الأميركيين الذين صرّحوا بأنهم ينامون أقل من سبع ساعات، وكثير منهم يُعانون الأرقَ، وبلغت نسبتهم نحو 35% من المشاركين في الدراسة. إن إبلاغ شخص يعاني الأرقَ بالفعل أن نقص النوم قد يُودي بحياته مُبكراً، قد يزيد من قلقه وتوتره بشأن النوم، مما يُفاقم المشكلة. ويُعد القلق والتوتر من عوامل الخطر الرئيسية للأرق، لأنهما يحفّزان الجسم على إنتاج هرمونات مثل الكورتيزول التي تُثيرنا. كما أظهرت الدراسات أن إضفاء الطابع الطبي على الأرق قد يُفاقم المشكلة أحياناً، إذ يُعامل مشكلةً شائعةً كحالة طبية تتطلب تشخيصاً وعلاجاً.
وفي المقابل، تستفيد صناعة منتجات النوم من هذا القلق المتزايد. فقد ظهرت مراتب ذكية تتحكم في درجة الحرارة، ووسائد مصمّمة وفق معايير هندسية خاصة، وأغطية ثقيلة، وستائر تمنع الضوء بالكامل، وأجهزة تُولّد ضوضاء بيضاء، فضلاً عن ساعات وأجهزة قابلة للارتداء تزعم أنها قادرة على تحسين النوم من خلال مراقبته وتحليل جودته. كما تتوافر أدوية ومكمّلات غذائية لا حصر لها. إلا أنه لا يوجد دليل كافٍ على فعالية تلك المنتجات، وتختلف فوائدها المزعومة كثيراً، والتي يرجع بعضها إلى التأثير الوهمي. وعلى سبيل المثال، يجد بعض مستخدمي أجهزة تتبُّع النوم القابلة للارتداء أنها مفيدة، بينما على العكس، ينشغل آخرون ببيانات نومهم لدرجة أنهم يُصابون باضطرابات النوم، وهي حالة جديدة تُعرف باسم «أورثوسومنيا»، ومعناها الهوس بالحصول على نوم مثالي.
لا شكَّ في أن الرعاية الطبية ضرورية في بعض الحالات، لاسيما في علاج انقطاع النفَس النومي مثلاً، ولكن من المفيد أيضاً أن ندرك أن طريقة نومنا ليست بيولوجية فحسب، بل ترتبط بالثقافة والعادات أيضاً. وتُظهر الدراسات أن عادات النوم تختلف اختلافاً كبيراً من ثقافة إلى أخرى، وقد تغيّرت عبر الزمن. فخلال معظم مراحل التطور البشري، كان أسلافنا ينامون في العراء في مجموعات، دون وسائد، وعلى أسطح صلبة، مستخدمين القش أو الجلود أو لحاء الأشجار أو أوراقها فقط كغطاء. وكان القلق أحياناً في منتصف الليل طبيعياً. ولم نخترع غُرف النوم ووسائل الراحة مثل المراتب إلا في العصور الحديثة.
وبالطبع، لا يمكن لأحد التخلي عن سريره ووسادته، ولكن إذا وجدت نفسَك مستيقظاً تتقلب في فراشك، لا تقلق بشأن حصولك على القدر الكافي من النوم، بل عليك فقط التأكد من جودة نومك، عن طريق سؤال نفسك خمسة أسئلة بسيطة، وهي: هل تشعر بالرضا عن نومك؟ هل تبقى مستيقظاً طوال اليوم دون أن تغفو؟ هل تكون مستغرقاً في النوم بين الساعة الثانية والرابعة صباحاً؟ هل تظل مستيقظاً لمدة أقل من 30 دقيقة خلال فترة النوم ليلاً؟
وهل تحصل عادة على ما بين ست إلى ثماني ساعات؟إذا لم تكن إجاباتك على تلك الأسئلة «عادة» أو «دائماً»، فعليك البحث عن وسائل وأساليب فعالة ومثبتة علمياً تُخفف من القلق والتوتر المرتبطين بالنوم. تشمل هذه الأساليب اكتساب عادات صحية مثل ممارسة الرياضة، والعلاج السلوكي المعرفي، والالتزام بجدول نوم منتظم.
*أستاذ علم الأحياء التطوري البشري في جامعة هارفارد
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


